علي الهجويري

40

كشف المحجوب

رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ « 1 » ولذلك عندما كان النبي يقابل أحدهم كان يقول ما معناه « بأبى أنت وأمي ! لقد عاتبني فيكم ربى » . ولذلك فقد امتدح اللّه الفقر ، وجعله امتيازا خاصا للفقراء ، الذين تجردوا عن كل سبب ظاهري وباطني ، واتجهوا بكلهم نحو مسبب الأسباب ، حتى صار الفقر مفخرة لهم ، يئنون لذهابه ، ويسرون لمجيئه ، ويأنسون إليه ويعتبرون ما عداه محتقرا . وللفقر رسم وحقيقة فرسمه العوز والافتقار ، ولكن حقيقته الثراء والاختيار ، ومن ينظر إلى الرسم يبقى عند الاسم ، ويبتعد عن الحقيقية دون أن يحقق أمله ، ولكن من يجد الحقيقة يبتعد بناظريه عن كل مخلوق ، ويسرع بفناء الكل ، في رؤية الكل ، ببقاء الكل . إذن « إن من لم يعرف سوى رسمه لم يسمع سوى اسمه » . فالفقير هو من ليس له شيء ، وليس في إمكانه أن يفقد شيئا ، وهو لا يصبح غنيا إذا حاز عرضا ، ولا فقيرا إذا لم يكن لديه شيء ، فالوجود والعدم سواء بالنسبة لفقره وقد اتفق على أنه يزاد سرورا ، حينما لا يكون لديه شيء ، فقد قال الشيوخ « كلما زاد فقر المرء كلما تكشفت أمامه الأحوال » . ذلك أنه من سوء حظ الفقير أن تكون له ممتلكات ، فإذا أحتفظ بشيء لمنفعته الخاصة كان بمثابة من يأسر نفسه ؛ ويعيش أحباب اللّه من الطافه الخفية ، وعطائه الإلهى ، ولا يحجبهم عرض الدنيا عن طريق الرضا بل عن طريق الدنيا الغادرة التي هي دار الفجار . حكاية : قابل أحد الدراويش ملكا فقال له الملك : « ما حاجتك ؟ » فأجابه الدرويش « أنا لا أطلب حاجة من أحد من عبيدي » فقال الملك « وكيف ذلك ؟ » فأجابه

--> ( 1 ) سورة الأنعام : آية 52 .